ابن خلدون
168
رحلة ابن خلدون
الملوك استخلاصي ، وتجاروا في إتحافي . والله المخلّص من عقال الآمال ، والمرشد إلى نبذ هذه الحظوظ المورّطة . وأنبأني سيّدي بما صدر عنه من التصانيف الغريبة ، والرسائل البليغة ، في هذه الفتوحات الجليلة ، وبودّي لو وقع الإتحاف بها أو بعضها ، فلقد عاودني النّدم على ما فرّطت . وأما أخبار هذا القطر فلا زيادة على ما علمتم ، من استقرار السّلطان أبي إسحق ابن السّلطان أبي يحيى « 517 » بتونس مستبدا بأمره بالحضرة بعد مهلك شيخ الموحدين أبي محمد بن تافراكين القائم بأمره ، رحمة الله عليه ، مضايقا في جبابة الوطن ، وأحكامه بالعرب المستظهرين بدعوته ، مصانعا لهم بوفره على أمان الرّعايا والسابلة ، « 518 » لو أمكن ، حسن السياسة جهد الوقت ، ومن انتظام بجاية محل دولتنا في أمر صاحب قسنطينة وبونة ، غلابا كما علمتم ، محمّلا الدولة بصرامته وقوة شكيمته فوق طوقها ، من الاستبداد والضرب على أيدي المستغلّين من الأعراب ، منتقض الطاعة أكثر أوقاته لذلك ، إلا ما شمل البلاد من تغلّب العرب ، ونقص الأرض من الأطراف والوسط ، وخمود ذبال الدول في كل جهة ، وكلّ بداية فإلى تمام . وأما أخبار المغرب الأقصى والأدنى فلديكم طلعه ، « 519 » وأما المشرق فأخبار الحاجّ هذه السنة من اختلاله ، وانتقاض سلطانه ، وانتزاء الجفاة على كرسيّه ، وفساد المصانع والسّقايات المعدّة لوفد الله وحاجّ بيته ، ما يسخن العين ويطيل البثّ ، حتى لزعموا أن الهيعة « 520 » اتّصلت بالقاهرة أياما ، وكثر الهرج « 521 » في طرقاتها وأسواقها ،
--> ( 517 ) انظر العبر 6 / 373 وما بعدها . ( 518 ) السابلة : الطريق . ( 519 ) يقال أطلعته طلعى ؛ أي أبثثته سرى . ( 520 ) الهيعة : كل ما أفزعك من صوت ؛ والصوت الشديد . ( 521 ) الهرج : الفتنة والاختلاط .